الشيخ أسد الله الكاظمي

30

مقابس الأنوار ونفايس الأسرار في أحكام النبي المختار وآله الأطهار

لا يستعمل الا في المطهر حكمنا بكونه حقيقة فيه على انّه صفة موضوعة لمعناه ابتداء كنظائره وكسائر معانيه أو مأخوذة من معناه الأسمىّ بطريق الوضع أو المصدر كك على بعد والأمر في هذا سهل بعد ثبوت وضعه لما ذكر وبعد بناء استعماله مع شيوعه على التجوز وامّا معنى المبالغة علم يثبت فيه وان ثبت في فعول وكك استعماله في مجرّد صفة الطهارة بلا مبالغة ولذلك لم يذكرهما الجوهري والفيروزآبادي مع نهاية حرصهما على استقصاء المعاني وإنكارهما آخرون وضعا واستعمالا أو استعمالا خاصة كما عرفت ومن ادعى من هؤلاء وضعه للمبالغة لم يستند الَّا إلى القياس في صيغة فعول وكذا غيرهم من أهل اللغة كالزمخشري في الكشّاف والمطرزي حيث قالا بأنه وصفا بمعنى البليغ في الطَّهارة لا المطهر لان فعولا ليس من التفعيل في شئ وربّما يظهر من الأول في تفسير شرابا طهورا مجيئه بمعنى الطَّاهر أيضا وقد تبعا في ذلك إمامهما الحنفي فان كلا المعنيين منقول عنه الا انّ الأظهر فيما نقل عنه هو الأول وكان من نقل عنه الثّاني لم يقصد بيان تمام المعنى بل قصد نفى إفادته للتطهير وقد نقل هذا القول عن أصحابه أو بعضهم خاصّة وعن أبي بكر بن داود الأصم وأقصى ما استندو إليه في ذلك مع نوع تكميل هو ان الطهور من صيغ المبالغة فيفيد المبالغة في اسم فاعله وهو الطاهر لا المطهّر فيكون بمعنى البليغ في الطهارة وقد استعمل في ذلك أو في مطلق صفة الطَّهارة في قوله تعالى : « شَراباً طَهُوراً » إذ لا نجس في الآخرة حتى يطهر به ولا تكليف بالتطهير ليمتنّ بما يحصل به ولم يذكر قبله الَّا السّقي منه فالغرض من الوصف بالطهور ما يناسب ذلك وهو ما ذكر لا المطهّر وكذا في قول الشاعر ريقهنّ طهور لانّ الرّيق ليس مطهّرا بل طاهر فيحمل على ذلك ما اشتبه معناه كماء طهورا ونحوه وقال الزمخشري في الأساس اطلب لي ماء طهورا بليغا في الطَّهارة لا شبهة فيه فهذا الاستعمال يشهد أيضا بذلك ولا يخفى ان الحنفي واتباعه أنكروا دلالة الطهور إذا استعمل في الماء على كونه مطهر أو نفوا ذلك رأسا والمستند المذكور لا يفيد ذلك وما ذكرناه في المعنى الأسمى واعترف به الزمخشري والمطَّرزي حجّة قاطعة عليهم وقد تقدم انّه متجه في كثير من الاخبار الَّتي أطلق فيها الطَّهور على الماء أو غيره بغير طريق الوصف أو العمل وامّا من استند إلى ما ذكر لتحقيق المعنى الوصفي فيرد عليه انه لا قياس في وضع صيغ المبالغة ولا في معنى ما كان من أوزانها صورة الا ترى بالفتح لا يستعمل الَّا اسما أو مصدرا ولم يوضع الَّا لهما ونظائره ممّا لم يوضع للمبالغة ولم يستعمل فيها أكثر من أن يحصى وما كان من أوزانها في الصّورة وصفا لا ينحصر معناه في المبالغة ولا فيها أو في معنى اسم الفاعل المجرّد بل قد لا يستعمل فيهما أصلا كوكيل ونحوه وما كان من ذلك للمبالغة لا يختص أيضا بالمبالغة في معنى المجرد بل قد يكون لمبالغة المزيد كحسّاس ودرّاك ومهوان مع انّ الصّيغتين اشهر صيغ المبالغة فالعبرة إذا بالنقل والسّماع في اللَّفظ والمعنى معا وقد أثبتنا بهما ان الطهور لما يتطهر به وللمطهّر لا الطاهر أو البليغ في الطهارة وغاية ما في الباب كونه بمعنى المطهّر سماعيّا نادر عرف بالتوقيف وهو غير عزيز النظير وامّا قوله تعالى : « شَراباً طَهُوراً » فأراد به شربا مطهّر القلب شاربه عمّا سواه سبحانه كما روى عن الصادق ع وحكى عن جماعة من المفسّرين ويناسبه المقام أو لقلبه من الحسد ولشربة من كما روى عن الباقر ع عن النّبيّ ص أو مطهر البطنة من المأكول لتعود شهوته إلى الغذاء مع بقائه طاهرا لا يصير بولا نجسا بل يصير رشحا في البدن كرشح المسك كما نقل عن بعض المفسرين وليس المراد كونه مطهّرا من النجاسة حتى يرد ما أورد ولا طاهرا أو بليغا في الطَّهارة كما توهّم إذ لا نجس في الآخرة ولا تكليف باجتنابه في الشرب وما يسقيه اللَّه سبحانه أحبّائه ويمنحه أهل الجنة لا يكون الَّا طاهرا نظيفا بليغا في ذلك فلا اختصاص لذلك الشراب به ولا جدوى في ذكر ما هو لمعلوم من صفته ولم يعبر بالخمر حتى يتصور لوصفها بذلك فائدة ما وان لم يعتد بها فتعين أن يكون المراد ما قلنا ولو فرض احتمال الوجهين لم يتم الاستناد فكيف والثاني واضح الفساد ولا يصلح ليقاس عليه ما اشتبه فيه المراد وقد صدر من الزّمخشري والرّاغب وصاحب الطَّراز في معنى هذه الآية ما هو عجيب غريب وفساده ظاهر لكلّ عارف لبيب فليلاحظ كلماتهم من آثر الوقوف على عثراتهم وامّا الطَّهور في الشعر محمله على ما ذكر لا يناسب مقام المدح ان كل ريق في الفم طاهر فالمراد به المطهّر بمعناه الشّرعيّ أو غيره ووجهه ظاهر لمن عرف طريقة الأدباء في مثله وربّما يحمل إقامته مقام الطاهر على ضرورة الشّعر لإقامة الوزن فلا يقاس عليه إذا وامّا ما ذكره الزّمخشري في الأساس فغير محكم الأساس لعدم معلوميّة قائله ولا اشتهاره وعدم تعيّن معناه فيما اختصّ بذكره فانّ الظَّاهر من تفسيره كونه من محاورة المتشرعة والمعروف بينهم ما قلنا والمخالف منهم كالحنفي يذهب على ما نقل عنه إلى انّ كلّ ماء طاهر طهور ولا يخصّه بما لا شبهة فيه مع أن ما كان كك مطهّر قطعا والغالب في طلبه قصد التطهير به فكيف يعلم عدم أرادته من اللَّفظ أصلا مع ما يرى من انّه لا يوصف به ما لا يكون مطهرا وان من الماء وغيره ما وقع الشّبهة في مطهّريته على انّه متّهم هنا في نقله وتفسيره ولا يبعد انّه استخرج ذلك على وجه المثال بناء على مذهبه ومذهب إمامه ولا حجة في مثله من مثله وقد استبان بما قلنا هنا وما ذكرناه سابقا ان المعنى المزبور غير ثابت أصلا فكيف يدّعى الانحصار فيه مط وممّا يؤكد ما أوردنا في نفيه انّ الظاهر من تتبع موارد استعمال ألفاظ المبالغة وملاحظة ما ذكر في تفسيرها في كتب التّفسير واللَّغة وما قيل في معانيها ومعاني صيغها في كتب العربيّة انّه يعتبر فيها كثرة في صدور المبدأ أو ثبوته ولا يكفى مجرّد كماله وشدته سواء كان فعلها متعدّيا كضروب